القميص الأزرق👔
************
إنها الساعات الأخيرة من عامي الخامس عشر، سينتهي عامٌ لأبدأ عاماً جديداً بحلم أكبر كما عمر أكبر. كان عاماً مليئاً بالأحداث عرفت الكثير وتعلمت ما لم أبصره في سنيني كلها أشعر أني نضجت حقاً في عامي هذا تحديداً هجرت العديد ممن كنت أظنهم أصدقاء، أقنعة مزيفة، عباراتٌ متملقة بتُ أميز من يبتسم لي لمحبته ولطفه ومن يرسم على وجهه ابتسامة صفراء لإخفاء مكره وخبثه خلفها، انه عامٌ مميز على أية حال، سيبقى فريداً عن غيره من الأعوام.
أتذكر لهفتي للقدوم إلى هذه الحياة البائسة، تسعة أشهر من الظلام هيا بنا الى النور، الى الشمس والنجوم هيا انطلقي لتبدأ رحلتك في هذه الحياة، التقطي أول أنفاسك خارج هذا المكان الضيق الذي تكوّنتِ فيه والذي له فضلٌ كبير عليك.. لا أرى شيئاً المكان بارد هنا لا يسعني سوى البكاء.. بكاء فرح قدومي وتحرري.
أسمع الكثير من الأصوات التي لم أفهمها في عقلي أبكي وأبكي ثم أرى خيالات من حولي.. أصمت لأدرك أن هناك من ... لا أعلم من هم جميعهم يرتدون اللون الذي لم أعرف اسمه بعد لكنه جميلٌ جداً.. يعود الغباش إلى عيني ليعاودني البكاء.
بيتي الجديد من زجاجٍ! إذن.. ليس مظلماً كذاك الذي سكنته من قبل، تأتي من ينادونها بالممرضة لتحتضنني وتعرفني على من أنجبتني.. تضعني بين ذراعيها ليصمت بكائي.. أشعر أني في مكانٍ مألوف لي، صوتٌ سمعته كثيراً طوال تسعة أشهر، كان هو نغمتي الوحيدة إنها.. إنها...! أمي!
لم أكن الطفل الأول لها ولا شعور الأمومة واللذة المنتظرة فقد ولدت قبلي أخي، لكني كنت الطفلة الأولى الأنثى.. الصديقة التي أخرجتها من داخلها، نعم إنها أنا -لحظة! من أنا؟! هذه أمي وتلك ممرضة إذن فأنا طفلة تأتي من ينادونها بالممرضة لتسأل أمي:
-شو اسم الحلوة؟
-بس يجي أبوها نتفق إن شاء الله ...
هنا أنا أستمع بكل صمت إذن لدي أب، وأم، وممرضة...يأتي الطبيب ليطمئن على حال أمي ليصبح أيضاً هو ضمن عائلتي التي أتعرف على أفرادها واحدة تلو الأخرى، النور أزعج عيني استراحة منه، القليل من الظلام رجاءً.. رمشت عيني أثناء البكاء للبحث عن ظلامٍ مريح هانئ للنوم، لأكتشف أن باستطاعتي إيجاد الظلام كما باستطاعتي اختيار النور، أغلقت عيني كمن يطفئ نور الغرفة ليغرق في نومه.
أفيق على صوتٍ يريح النفس شعرت بدقات قلبي المتسارعة لذة يطيب لها المسمع..
-الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله....
نعم انها لذة الايمان واعتناق الإسلام أفتح عيني لأجد صورة تتوضح كعدسة الكاميرا انه إنسان لا يشبه أمي ولا الممرضة يلاعبني لأضحك ماذا يفعل بربه! حديثاً التقطت أول أنفاسي خارج زنزانتي المظلمة ومنذ قليل بدأت تتضح لي الرؤية عالم لا يشبه العالم الذي كنت فيه كما أنه بارد ليس كدفء ظلامي وتريدني أن أضحك لكلماتٍ وأصواتٍ أنت نفسك لا تفهم معانيها..
-غغ بء ببو كمييييل ابيييغ اينوو
ضحكت في داخلي على صغر عقله يظن أنني سأبتسم لتلك الشعوذة التي ينطق بها، عدتُ لنومي دون أن أبالي أنه يداعبني كان الظلام يشتاقني والأنوار تتعبني لم أعتدها بعد.. أفتح عيني لأجد نفسي في مكانٍ غير الذي كنت فيه قبل نومي انه ليس بيتٌ زجاجي لا أحد هنا وأنا جائعة ألا يقدمون الطعام لضيف حياةٍ حديث الولادة ...! سأناديهم.. لكن لحظة! من المفترض أنني طفلةٌ حديثة الولادة ولا أجيد النطق سأبقى محافظة على مخزون كلماتي حتى لا يظنون أني معجزة فأنا لست كذلك.
لا بد من طريقة أخرى لمناداتها ...! وجدتها.. سأبكي إذن، البكاء متعب تباً لكنه الخيار الوحيد لي لتبدأ حالة جهاز الانذار في البكاء، بكيت لوقت ليس بطويل حتى جاء ذلك الانسان الذي لم أعرف من هو بعد حملني، هزني كثيراً حتى كنت على وشك النطق بأنه انسانٌ جاهلٌ في أمور الأطفال، أنا جائعة أين من أنجبتني؟ أمي أبكي نداءها حتى تنتشلني من بين يديه وتعرف غايتي من البكاء قدمت لي الشراب ذو المذاق السيء لكنه كان يفي بالغرض يقول ذلك الانسان لأمي بعد اكتفائي وسد جوعي..
- اعطيني بنتي سعاد
- تقول أمي بنبرة غضب
- ليست سعاد بل تينا!
- رحاب أعطيني البنت بلا تينة بلا زيتونة. تحتم القرار في اختيار اسمها إنها سعاد الصغيرة على اسم أمي سعاد الكبيرة أو هنالك أفضل من اسم جدتها...!؟
كنت طفلة، لم أصبحت سعاد؟! إذن أنا طفلة.. سعاد وأمي رحاب كما سمعت أبي يناديها إذن أبي ما اسمه...؟ حتماً سأعرف لاحقاً لا تستعجلي، كل شيء سيأتي ليعرفك بنفسه دون جهدك أيتها الطفلة الجميلة، على أي حال كنت لأفضل اسم تينا أكثر لكن لا بأس بسعاد إنه لطيف أيضاً.
أسابيعي الأولى كانت مملة ومتفاوتة بين النوم وشرب الحليب ذي المذاق السيء الذي بدأ يتحسن مع مرور الوقت أصبحت الرؤية واضحة تماماً بالنسبة لي رأيت تفاصيل أمي كما لم أرها من قبل لكن تفاجأت حين اصطحبتني أمي في نزهة، وكم كنت بريئة حين قلت نزهة كانت بداية لألم استمر لعدة أيام ركبت شيء ذي عجلات على ما اعتقد كان اسمها (عربية) وكانت مخصصة للأطفال، لم أرَ غير الغيوم والسماء التي لها نفس لون الملابس التي كانت الممرضة ترتديها في ذلك المكان الأول لي انه لون جميل حقاً وقعت في غرام السماء والغيوم وانتابتني رغبة في ركوب غيمة بدل هذه (العربة) المزعجة كنت أتأمل السماء باستمتاع كبير لم اكن اعلم أني ذاهبة لملاقاة أول وأبسط آلام الحياة، إنه الطُعم الأول والابرة التي لا أظن أنها الأولى لكنها لم تكن كتلك التي قدمتها لي الممرضة ..كان ألم لم يسبق لي تجربته ويمكنني أن أقول إنه الألم الأول في حياتي التي لم يتجاوز عمرها الشهرين بعد، بكيت كثيراً يومها لم أكن أعلم أن الانسان يبكي من الألم، ظننتها وسيلة نداء وطلب طعام لا أكثر حتى واجهت الألم ولم يسعني إلا البكاء...
صاحب ألم يدي صداع لازمته الحمى، كنت أهرب من الألم الى النوم تعبت من البكاء بقيت على هذه الحالة لعدة أيام أحمد ربي انني انتهيت منها.
هنالك طفلٌ يترقص من حولي.. من هذا؟! يبدو أنه طفلٌ لكنه ليس كأنا.. حجمه أكبر مني بقليل إنه يحبو محاولاً أن يتقن خطواته الأولى... تباً إنه يسقط في كل مرة يحاول الوقوف بها، أضحك مشجعة إياه المحاولة مجدداً والوقوف على قدميه --- نعم اقتربت! هيا تقدم.. خطوة أخرى!
تصفق أمي له وتقول بحماس
-شاطر ماما علم أختك.
تقول وهي تمسكني من يدي محاولة جعلي أقف
-متى ستتعلمين الوقوف أنت أيضاً...؟
أحاول الوقوف باستنادي على أمي لكن محاولاتي باءت بالفشل.
أجيبها في عقلي
- لم يحن الوقت بعد يا أمي
إذن فرد جديد من العائلة إنه أخي،، ما زلت أتعرف على الأرواح واحدة تلو الأخرى أمي، أبي، ممرضة، طبيب، أخي. لحظة لم أرَ الممرضة ولا الطبيب منذ غادرت ذلك المكان.. لنكتف بأمي وأبي وأخي في الوقت الحالي.
بعد عدة أيام من تعرفي على أخي وتقربه مني وجدته يركض ثم بم وقع على الأرض عاجزاً عن الوقوف ما به لم يبك؟ يحاول الوقوف ولا يستطيع ماذا حدث له ؟! أمي كانت في المطبخ وأنا كنت ألعب في سرير مليء بالألعاب التي لم أحب منها غير دمية واحدة، بكيتُ مستنجدة بأمي لمساعدته كما بكى هو أيضاً بعد محاولات عدة، أتت أمي مسرعة حملته محاولةً جعله يقف، وقف هنيهةً ثم فقد توازنه وسقط ، تفقدتْ أمي حرارته التي كانت مرتفعة جداً عن معدلها الطبيعي، فحمله أبي مسرعاً الى السيارة وأخذتني أمي برفقتهم، طوال الطريق كانت أمي تبكي وأخي يبكي وأنا... لا لم أكن أبكي كنت أحاول إدراك الأمر، أبي يخبر أمي إنه يجب أن يذهب الى المستشفى في أسرع وقت ممكن ليراه الطبيب.. حالاً عندما قال أبي طبيب رجعت بي الذاكرة الى طبيب أمي فعرفت أنه سيذهب الى المكان الذي ولدت فيه وعلى ما يبدو أن اسمه (مستشفى). قال أبي:
- وسعاد...!؟
- لا يجب أن تدخل المستشفى، ما زالت صغيرة ومناعتها ضعيفة بعد.
- أين سنضعها ...؟
- عند خالتها، قالت لي أنها أخذت إجازة بعد رجوعها من الأردن، حتماً ستعتني بها جيداً فأنا أثق بها.
وصلنا الى بيت خالتي وما كنت أريد البقاء عندها كنت أريد الاطمئنان على أخي،، ضمتني خالتي الى حضنها وعاملتني برفق وحنان يشبه حنان أمي، كانت تهزني محاولة إسعادي وإيقاف بكائي. وما كنت لأكف عن البكاء حتى رجوع أمي.
بعدما عجزت عن إسكاتي وضعتني وبدأت تكلمني كأنها تكلم شخصاً يعي ما تقول حقاً.
- كفاك بكاء يا صغيرتي، أتعبتِ نفسك وأتعبتِ خالتك معك أيضاً، أنت بأمان هنا اطمئني، لم تسنح لي الفرصة للتعرف إليك من قبل، كانت لدي بعض الأشغال خارج البلاد لكن لا بأس فأنت هنا، الخير بكم أنتم الأطفال فأهلاً بك يا كل الخير......
واصلت حديثها أما أنا فغططت في نوم عميق فقد أعياني البكاء.
ظللت على هذه الحال سارح في ذكريات لا أظن أحداً يتذكرها.. فلا أحد يتذكر أيامه في بطن أمه ولا أيامه وأسابيعه الأولى بعد الولادة... لكن من الواضح أن نفحة من الخيال سبرت أغوار عقلي الباطن فاستخرجت منه ما لا يمكن أن يخرج من تلقاء نفسه، لو أن الإنسان لا ينسى لما استطاع العيش.
كنت لا أزال كذلك في تأملاتي حتى أفقت على صراخ أخي الكبير:
سعاد، قومي اكوي لي القميص الأزرق.
وها أنا ذا أكوي قميصه الأزرق

ليست هناك تعليقات